الخميس، 22 أكتوبر 2015

سبب من أسباب ظهور صهاينة العرب

الخطاب الديني المدافع عن القضية الفلسطينية طالما كان خطاباً عاطفياً يتضمن الكثير من الجلد لذات الأمة ولأفرادها، فيصف الخطابُ الناسٓ بالتخاذل تجاه القضية. وللأسف، لم يستند الخطاب كثيراً على أسس حقائقية، لم يستثمر جهداً كافياً لتثقيف الناس حول الحقائق التاريخية التي كانت وراء الأزمة والتي بدأت أحداثها قبل ١٠٠ سنة. لا يوجد عاقل يعرف التاريخ جيداً ويتعاطف مع إسرائيل في نفس الوقت مهما كانت ديانته. والدليل على ذلك أن الإعلام المتصهين لا ينتصر إعلامياً، أو لا ينجح في إقناع بعض الناس، إلا عند تضييق النظر في تاريخ القضية. فيتم التركيز على أحداث العقد الماضي وغض النظر عما حدث قبل ذلك وبالذات عن قصة بداية إسرائيل. 

ففي ظل هذا الجهل بتاريخ القضية، كانت عواطف الناس في الغالب مشحونة فقط بسبب خطاب عاطفي، فهي عواطف مبنية على عواطف وليست مبنية على أسس حقائقية صلبة، فيسهل تسييرهم بعواطف أخرى. ففي ظل هذا الوضع خرجت أول شرارة إعلامية تتعاطف مع الإسرائيلي وتلقي اللوم على الفلسطيني حين ينتفض. هنا بعض الناس بدأوا يَرَوْن أن هناك طريقاً آخر يستطيعون سلكه وله وجاهة إعلامية متنامية. هذا الطريق البديل يستطيعون فيه إلقاء اللوم على الفلسطينيين فلا يشعرون بتأنيب الضمير عندما لا ينصرون قضيتهم، كالذي يلحد لكي لا يشعر بتأنيب ضميره عند ارتكاب بعض المحرمات. هؤلاء كانوا يكرهون خطاب جلد الذات ولكنهم فقط للتو وجدوا متنفَّساً كلامياً يعبِّرون به عن هذا الرفض للشعور بتأنيب الضمير. فظهور هذا الفكر بصراحة لا يُفترض أن يكون مفاجئاً في ظل هذا الجهل بالقضية، ولكن بالطبع سيكون مفاجئاً إذا زادت نسبته على ٢٠٪. حالياً لا أراه أكثر من ١٪ ولكن التضخيم الإعلامي له يوحي بوجوده القوي وبتناميه.

فيا علماؤنا الأفاضل، إذا كُنتُم ستلقون عشرة خُطَب ومحاضرات عاطفية عن القضية، فرجاءاً اردفوها بعشرين خطبة ومحاضرة علمية تاريخية حقائقية وثائقية. 

الأحد، 25 مارس 2012

التحيز إلى الألم

كانت البشرية منذ القدم تحاول الإجابة على أسئلة الوجود وأسراره، وجاء الدين ليقطع هذا الخوض إلى إيمان خالص بوجود الخالق -سبحانه وتعالى-. وجاء الدين مشرّعاً لتقوم حياة الناس ويصلح حالهم بالعدل. ومن حكمته -سبحانه- أن وهبنا عقولاً نتفقه ونعقل بها، وجعل هذا العقل الوسيلة الأولى للبحث عن الحقيقة وللتفريق بين الصواب والخطأ.

في لغتنا الحديثة، يتراوح التفكير بين الذاتي والموضوعي. فكلما انطلق التفكير من تحيزات إلى مفاهيم وقناعات لا أصل لها في الدين وليست مبنية على أسس منطقية صحيحة، كلما اقترب هذا التفكير وتقوقع في دائرة التفكير الذاتي. وفي المقابل، كلما تحرر التفكير من تأثير هذه القناعات ومن تأثير العادات والتقاليد في حيادية الرأي والحكم على الأشياء، كلما كان التفكير أقرب إلى الموضوعية. فحتى لو لم يكن الدين من معطيات العقل، سيقوده التفكير الموضوعي إليه.

يناقش الكثير في استحالة الوصول إلى تفكير موضوعي خالص بنسبة 100%، فحتى نظريات علم الرياضيات مبنية على مسلّمات لا يمكن إثباتها. وفي عالمنا الواقعي، أؤيد هذه الاستحالة من وجهة نظر شخصية وهي: أنه يجب علينا كبشر أن نتحيز وننطلق في تفكيرنا من نقطة نقر فيها بأن "الألم" هو الموجود الذي لا يمكن تجاهله وأنه الخطأ الأساس، هذا بالأخذ بعين الاعتبار ما تشمله كلمة "الألم" من ألم حسي وألم معنوي. لو تأملنا في الألم سنجد أن الحياة من غيره ستكون فوضى بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وسنجد أيضاً أن شرع الله نزل لتقليل الألم قدر الإمكان، وإن كان الظاهر في الحدود تطبيق الألم إلا أن ذلك في نهاية المطاف يهدف إلى تقليل الألم العام -إن جاز التعبير-. ومن تقليل الألم جلب السعادة بتأمين أسبابها الظاهرية من مال ومسكن وغيرها. فبهذا المفهوم نستطيع القول بأن الألم هو الفيصل الحقيقي الملموس بين الصواب والخطأ، وهذا ما يستوجب التحيز إليه.

 إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن التعصب القبلي والتحيز للأشخاص في قوله:"دعوها فإنها منتنة"، فمن باب أولى أن لا نتعصب لفكرة ليس لها أساس ديني أو علمي. وقال صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار". فمن حكمته -صلى الله عليه وسلم- استعماله للفظ الضرر في هذه القاعدة الفقهية الذي يشير إلى المعنى الأشمل للألم.

معالجة التعصب والتحيز الفكري ليس بالأمر السهل، ولكن الحل يكمن في وجود تعليم راقي وتربية واعية. وهذا الحل بالطبع لن يحل فقط مسألة التعصب وإنما أيضاً أغلب مشاكل المجتمع والأمة.

ختاماً، مقالاً قصيراً لا يكفي بالطبع لمناقشة طرح فلسفي كهذا ولكني أذكره باختصار فقط للإشارة إليه كأهم كعنصر من عناصر التفكير الموضوعي.

الأحد، 2 أكتوبر 2011

الإفتاء الأصغر

أكثر الأحاديث التي يتكلم فيها الناس تتعلق بالسياسة أو بالعلاقات الاجتماعية. فتسمع الكثير من الأقوال في شؤون سياسية والتي غالباً ما يقابلها قصص نظريات المؤامرة، وتسمع أيضاً في الجانب الاجتماعي خلاصات تجارب زواج أو صداقة أو علاقات عمل. وتفاجأ كثيراً بقناعات غريبة وغير منطقية عند كثير من الناس فتتساءل كيف يمكن لبعض الناس الذين تحسبهم راشدين وعاقلين أن تسكن في أذهانهم قناعات خاطئة. 


في العادة إذا وجد الأب في ابنه تفكيراً منحرفاً فإنه سرعان ما يلوم أصدقائه المحيطين به والقنوات التي يشاهدها والكتب التي يقرأها. وهذه كلها عوامل تؤثر بطريقة مباشرة، ولكن لا يقع ضحيتها إلا الطبقة التافهة من الشباب. ولكني أحب أن أتكلم عن عوامل خفية تؤثر في فكرنا وفي قناعاتنا أكثر مما يتوقعه الكثيرون، ولا تؤثر فقط في طبقة الشباب بل في جميع الفئات حتى أنني وجدت نفسي ضحية هذه العوامل مع علمي بها وإدراكي لمدى تأثيرها.


القناعات والآراء السياسية عند العامة هي أفضل مثال في وجهة نظري يشرح هذه العوامل الخفية. فابدأ عزيزي القارئ بنفسك واسألها الأسئلة التالية:
من أين لك هذه القناعة السياسية؟ هل هي فعلاً نتيجة بحث في أقوال وتصريحات السياسيين بالإضافة إلى ربطها بالأحداث المتزامنة معها؟ أم هي مجرد أقوال سمعتها من أناس تثق فيما يقولون نسبياً كأصدقاء قريبين؟ أم هي مجرد بناء مركب من معلومات تلتقطها عند كثرة حضورك لنقاشات في هذا الموضوع السياسي؟


هناك عامل صغير يدفع الناس إلى تبني أفكار جديدة بأسلوب غير علمي. هذا العامل هو عادة سيئة في مجتمعاتنا وهو إبداء الرأي والكلام بدون علم. الإنسان بطبعه لا يحب أن يترك خارج النقاشات، وطبيعة النقاشات أن يصطدم فيها رأيان يختلفان في وجهة النظر. فإذا أراد أحد إقحام نفسه في نقاش بدون علم عميق في الموضوع، سيضطر إلى تبني رأي طرف من الطرفين أو في حالات نادرة يخترع رأي ثالث ويتبناه على مبدأ خالف تُعرف. وهذا هو العامل الأول: تبني رأي طرف في النقاش (غالباً يعارض طرف طارح الفكرة) فقط من أجل دخول جو النقاش. وحتى لو لم يقحم نفسه إلى النقاش بدون علم كافي، قد يسأله المتناقشون عن رأيه في القضية، فما أن يُسأل عن رأيه أصبح الوضع لزاماً عليه أن يختار رأياً ويتبناه لأنه لو لم يفعل ذلك أصبح بلا شخصية وأحياناً بلا هوية.


العامل الثاني:


الإنسان مفطور على نقض ما يسمعه من فكرة تطرح كقانون أو نظرية، وهذا ليس عداءاً للآخرين بل هو لترسيخ مفهوم النظرية. ففي أيام دراستي بالمدرسة وبالتحديد في حصة الرياضيات أو الفيزياء، كنت إذا تلقيت قانوناً جديداً حاولت جاهداً لإيجاد مثال يتعارض مع هذا القانون، وبالطبع بعد عشرات المحاولات الفاشلة أصبح مقتنعاً بهذا القانون فيرسخ في الذهن. وهذا بالضبط ما يحدث حينما نسمع رأي سياسي أو اجتماعي أو حتى ديني، نستحضر جميع الأدلة التي تعارض هذا الرأي ولو بأصغر الأوجه وهنا يسهل ذلك بعكس الرياضيات والفيزياء، وأكرر أن هذه الخطوة ليست بداعي العداء الفكري للخصم وإنما هو أمر فطري يحدث وقد لا نشعر به أحياناً.


السيناريو التالي يتكرر كثيراً في نقاشاتنا:


نتلقى رأياً في موضوع معين - نوجد أدلة وتساؤلات مشككة تعارض هذا الرأي مع ضعفها أحيانا ( ليس لأننا متبنون الرأي المعاكس ولكن من أجل ترسيخ الفهم) - يكون الخصم غير قادر على الرد على هذه الأدلة والتساؤلات لعدم إحاطته بالموضوع جيداً - يبدأ الجدال غير العلمي وقد يطول ونمل منه - لا نصل إلى نتيجة - كل منا يبقى على رأيه. ولكن ماذا حدث هنا؟ الطرف المتلقي تبنى رأي طرف في موضوع لم يكن قد فكر فيه من قبل وبطريقة غير سليمة. وبعد فترة تمر فيها عوامل الترسب الفكري على هذا الرأي المتبنى، يصبح الرأي الآن قناعة. وبغض النظر عن من المصيب ومن المخطئ، ينتج عن هذا السيناريو دائماً شخصاً مخطئاً قد يكابر على خطأه بعد ترسب الفكرة وعشعشتها في رأسه ولا يتراجع عن رأيه لاحقاً حتى بعد بيان الحق بدليل قاطع.


هذه هي العوامل الخفية باختصار، وللقضاء عليها علينا بكل سهولة أن نتجنب الكلام والجدال فيما ليس لنا به علم كافي، فلا نتكلم بمجرد وجود علم طفيف إلا إذا تكلمنا في ضمن حدوده. وأيضاً علينا أن نتذكر أننا حينما نعارض رأياً جديداً، فإنما نعارضه من أجل التثبت من الخبر وليس لأننا قد تبنينا الرأي الآخر.


وفقنا الله جميعاً للعلم النافع والعمل الصالح... وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم



الاثنين، 1 مارس 2010

The Parts We Touch;The Relationship We Have

People often describe the strength of their relationships with one another using abstract distance, while not seeing the physical resemblance of this metaphor in real life. To explain, the strength of a relationship with someone is inversly proportional to the minimum physical distance with that person that makes you comfortable. For example, when you go in to the waiting room of a hospital you always try to keep at least one seat between you and the person next to you if not two or three (when that's possible). But if for some reason you started to have a conversation with the guy, one of you will soon enough move closer and leave no more than one seat between you two. You might say this happens so we can hear each other better, but it's never about that. It's because you are now comfortable to talk with in this particular range. At this point, after having a nice conversation, the act of officially knowing eachother occurs by saying the names. This is almost always accompanied with the handshake.

The Handshake, a human gesture known to mankind since ever. In a weird hidden way, it goes like this: Hi there, let's touch hands, shake them together and see how that goes. In the case of meeting a person with no arms, laying out your hand for a hanshake will be very embarrassing. So, the best thing to do is again touching him by putting your hand on his shoulder (I would suggest) and maybe asking about the story behind the missing arms to get the elephant out of the room. Back to our subject, touching! The handshake is only the first level of human physical contact. Now that you've traveled with your imagination across these levels passing by hugs between friends and family, slowing down at kisses of all levels and reaching your destination: Intimate sex, here's a question: Are there levels of touching beyond sex?
I have answers but I want to hear from you first.

I enjoyed very much reading all of your comments. I guess your brains froze at the last destination of human physical contact, or maybe filing through lots of sex positions seeking the answer (in the wrong direction, shame on you). Anyways, the answer you're looking for lies beneath it's own question: "Are there levels of touching BEYOND SEX?" What comes after (beyond) sex(when it's done for its natural cause)? Pregnancy!!

Pregnancy represents the longest period of touching between two people. Reflect that on the strength of the relationship to understand the whole picture I'm trying to draw here.

I'm not just pointing out a linear relationship that exists because of obvious and stupid reasons. I'm saying that touching could be the key to explaining the spiritual phenomenas of a relationship that science can't explain like feeling her son in danger or the telepathic mysteries between twins.

Touch you later

Mohammad

الجمعة، 30 أكتوبر 2009

متى يكون مجرد التفكير عبادة؟

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد...

إن من خصائص ديننا الحنيف العمل طلباً للأجر والثواب، وتتفاوت الأعمال في مشقتها وتأثيرها على الغير كما تتفاوت في عظم أجرها. ولكن دائماً ما نلاحظ أن في العبادات عمل حسي ملموس، فعندما نتكلم عن الصلاة فإن أول ما يخطر في بالك هو الجانب الروحاني منها، الجانب الذي يعبر عن صلتك بالمولى عز وجل، ولا يخطر ببالك الحركات التي يقوم بها المصلي. فإذاً لماذا هذه الحركات؟ ولماذا يكون أول ركن من أركان الصلاة هو القيام عند المقدرة في الفرض؟

إذا تركتك يا عزيزي القارئ بدون إجابة تتفكر في هذه الأسئلة، فإنك تلقائيا ستجيب عليها بنفسك، فهناك إجابات كثيرة ومنها: أن من أهداف ديننا إزالة الكسل من نفوسنا (صلاة الفجر)، ومخالفة هوى النفس...أهمية العمل (بشكل عام)...

وحتى إذا أتينا إلى أقل العبادات تعباً وهي الذكر وتلاوة القرآن فنجد أن العمل هنا هو اللفظ باللسان، وشرط الذكر التلفظ به كما هو الحال في الصلاة. يروى أن أحد الخوارج أتى إلى الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- وسأله في شخص مؤمن بوجود الله تعالى وأنه الواحد الأحد الذي خلق كل شيء ولكنه لم يتلفظ بـ " لا إله إلا الله " ومات على ذلك، أهو في الجنة أم بالنار؟ تخيل معي لو سئلت هذا السؤال، كم ستستغرق من الوقت في التفكير بالجواب؟ الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- رد عليه بدون أي تفكير أو أي تردد فقال: كافر وهو خالد مخلد في النار. تعجب الخارجي وقال: ولكنه مؤمن!! فقال الإمام: أتقبل القرآن حجة بيني وبينك أم أناقشك بالمنطق والحجة والبرهان؟ قال الخارجي: بل كفى بالقرآن حجة. عندها أمطر الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- عليه بعشرات الآيات من القرآن التي تستثني من العذاب الذين "قالوا" لا إله إلا الله ويركز رحمه الله على لفظ القول في القرآن. عندها قام الرجل خائباً وانصرف. والحديث في هذا يطول...

بعد هذه المقدمة الطويلة، قد ينسى البعض عنوان الرسالة. إذاً ما هي هذه العبادة التي لا تستوجب سوى التفكير؟

أول ما يخطر في البال هو التفكر في مخلوقات الله. وإذا تعمقنا في التفكير قليلاً قد نستنتج أكثر من هذا، فمثلاً فكر أحدهم بكتابة كتاب يفيد الأمة وكتبه ونشره واستفاد منه الناس. هل يثاب على تفكيره هذا؟ بالطبع نعم إذا أخلص النية لله تعالى. وبهذه الطريقة نستطيع أن نسرد الكثير من الأمثلة على ثبوت الأجر للتفكير. ولكن هناك شرط لثبوت ذلك الأجر وهو أن يتم العمل. فإذا فكر في كتابة الكتاب ولم يكتبه، فما الفائدة؟ فلا يثبت الأجر هنا والعلم عند الله. لكني أبحث عن عبادة يثبت فيها الأجر بمجرد التفكير. فيعود بنا الحال إلى التفكر في مخلوقات الله وهي من أعظم العبادات المتروكة هذه الأيام. ولكن إذا دققنا فيها سنجد أنك ستحتاج إلى أن تعمل القليل من أجلها. العمل هنا هو البحث عن آيات الله التي تتجلى فيها عظمة الخالق سبحانه. فمثلاً يجب أن تذهب إلى مكان بعيد عن المدينة للتفكر في السماء وزينتها. وإذا جعلنا تفكيرنا بدائياً قليلاً، فإن العمل هنا في هذه العبادة هو النظر، فالأعمى نادراً ما يستطيع التفكر في شي لا يراه. والجدال هنا يطول (بس مشوها شوية)

إذاً ما هي هذه العبادة التي لا تستوجب سوى التفكير والتي قد يمارسها الأعمى يومياً؟

إنها حسن الظن، والتي من وجهة نظري هي مفتاح حل جميع المشاكل الاجتماعية. دائماً ما نسمع في كلامنا : "هو قصده ..." و "الحركة اللي سواها أكيد وراها شي" ، ويكثر مثل هذا الكلام وكأن الثقة مجرد كلمة نسمعها في جودة المنتجات في الأسواق، وكأن حياتنا الاجتماعية تحولت إلى رقعة شطرنج، الكل يحاول أن يتوقع حركة الآخر ليحتاط . (هذه مو مهزلة، هذه المهزلة).

يخبرني البعض بأنني طيب بزيادة أو درويش، ووصلت الحال إلى معاتبتي على التماس الأعذار لغيري. نعم تخيلوا !!! أنا ألتمس عذراً لأخي ويأتي آخر ويعاتبني على هذا ويقول أنت طيب زيادة عن اللزوم ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:"التمس لأخيك سبعين عذراً".

طبعاً سيأتي البعض ويقول: ولكن أفراد مجتمعنا ليسوا كلهم طيبين، فإذا كنت طيباً وتعيش في هذا المجتمع فإنك ستداس وستتعرض للإساءة كثيراً. هنا أحب أن أذكر بأني أركز على الناحية الاجتماعية ، فما هي أكبر إساءة يمكن أن يتعرض إليها الإنسان؟ "ما عزمني على فرح ولده ، أنا زعلان منه عشان كدا ما عزمته على فرح بنتي"؟ للمعلومية ، عبدالرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أعرس في يوم من الأيام ولم يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فرآه صلى الله عليه وسلم متزيناً بلباسه على غير عادته فسأله عن ذلك فقال أنه أعرس. تخيلوا معي الموقف، بماذا رد عليه رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه؟ "وين ما عزمتنا ولا أديتنا خبر"؟ لا! قال له صلى الله عليه وسلم:"أولم ولو بشاه".

نأتي لأمر الواقع، في مجتمعنا سيظلم الطيب الحليم ولا أنكر هذا، ولكن إلى متى؟؟ نظريتي هنا هي أنه إذا أراد المرء أن يمشي في طريق الطيبة والتسامح، فإنه لابد أن يكمل الطريق كله، ولكن سرعان ما تمل الناس. وهناك عدة صور لنهاية هذا الطريق، منها: انقلاب الأعداء إلى أصدقاء، أو أن ترزق السعادة الحقيقية في حياتك بفهمك لقيمة الدنيا ومشاكلها.

منذ صغري، ألهمت حفظ وجه من القرآن من سورة فصلت، والذي فيه قول الله تعالى (41 ، 34-35):(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). سبحان الله! هاتان الآيتان تتحدثان بالضبط عما كنت أفكر فيه. ففي الآية الأولى يأمرنا الله بأن ندفع الإساءة بالإحسان ويخبرنا بثمرة ذلك وهي انقلاب العداوة إلى ولاء. وفي الآية الثانية ينبهنا الله عز وجل بأن الصبر هو وقود هذا الطريق، ويفسر ابن كثير الحظ العظيم هنا بالنصيب الوافر من السعادة.

ولكن لماذا نحتاج إلى أن نصبر؟ ما سبب كثرة النفوس الشريرة (إن صح التعبير)؟ في اعتقادي الناس كلهم طيبين في داخلهم ولكن كما ذكرت أن المشاكل تبدأ بسوء الظن. لكن لماذا بدأت؟ هنا دعونا نتأمل في الآية التي تلي الآيتين السابقتين. يقول تعالى:(وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم). شيء طبيعي ومنطقي ولكن ناسين. وإذا لم تقتنع بترابط الآية بما قبلها، فتأمل في قول الله تعالى من سورة المؤمنين : ( ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون . وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين . وأعوذ بك رب أن يحضرون). فاعلم عزيزي أن أي سوء ظن تفكر فيه عن غيرك ، إنما هو من الشيطان وليس استنتاج ذكي استنتجته (مسويلي فيها كونان). قد يكون الاستنتاج صحيحاً ولكن ما الفائدة من إساءة الظن هنا؟ أن تدفع بالحسنة وتحسن الظن خير لك، فكلما أحسنت الظن وعاملت بالحسنى كلما حفرت في قلوب الناس بحثاً عن الجزء الطيب المغمور. قد يطول الأمر مع بعض الناس ولكن في النهاية ستجد ذلك الجانب من الناس.

ختاماً، أقول أنه لو عمل عشر الناس على هذه الوصية الربانية وصبروا عليها لمدة 5 سنوات أو أقل، سيمسح الغبار عن المعاني الحقيقية للأمانة والثقة والولاء والطيبة والتسامح في مجتمعاتنا.

ليتنا نلتمس الأعذار لغيرنا كما نختلقها لأنفسنا.

آسف لأني استعملت كلمة الطيبة زيادة عن اللزوم، وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.