الأحد، 2 أكتوبر 2011

الإفتاء الأصغر

أكثر الأحاديث التي يتكلم فيها الناس تتعلق بالسياسة أو بالعلاقات الاجتماعية. فتسمع الكثير من الأقوال في شؤون سياسية والتي غالباً ما يقابلها قصص نظريات المؤامرة، وتسمع أيضاً في الجانب الاجتماعي خلاصات تجارب زواج أو صداقة أو علاقات عمل. وتفاجأ كثيراً بقناعات غريبة وغير منطقية عند كثير من الناس فتتساءل كيف يمكن لبعض الناس الذين تحسبهم راشدين وعاقلين أن تسكن في أذهانهم قناعات خاطئة. 


في العادة إذا وجد الأب في ابنه تفكيراً منحرفاً فإنه سرعان ما يلوم أصدقائه المحيطين به والقنوات التي يشاهدها والكتب التي يقرأها. وهذه كلها عوامل تؤثر بطريقة مباشرة، ولكن لا يقع ضحيتها إلا الطبقة التافهة من الشباب. ولكني أحب أن أتكلم عن عوامل خفية تؤثر في فكرنا وفي قناعاتنا أكثر مما يتوقعه الكثيرون، ولا تؤثر فقط في طبقة الشباب بل في جميع الفئات حتى أنني وجدت نفسي ضحية هذه العوامل مع علمي بها وإدراكي لمدى تأثيرها.


القناعات والآراء السياسية عند العامة هي أفضل مثال في وجهة نظري يشرح هذه العوامل الخفية. فابدأ عزيزي القارئ بنفسك واسألها الأسئلة التالية:
من أين لك هذه القناعة السياسية؟ هل هي فعلاً نتيجة بحث في أقوال وتصريحات السياسيين بالإضافة إلى ربطها بالأحداث المتزامنة معها؟ أم هي مجرد أقوال سمعتها من أناس تثق فيما يقولون نسبياً كأصدقاء قريبين؟ أم هي مجرد بناء مركب من معلومات تلتقطها عند كثرة حضورك لنقاشات في هذا الموضوع السياسي؟


هناك عامل صغير يدفع الناس إلى تبني أفكار جديدة بأسلوب غير علمي. هذا العامل هو عادة سيئة في مجتمعاتنا وهو إبداء الرأي والكلام بدون علم. الإنسان بطبعه لا يحب أن يترك خارج النقاشات، وطبيعة النقاشات أن يصطدم فيها رأيان يختلفان في وجهة النظر. فإذا أراد أحد إقحام نفسه في نقاش بدون علم عميق في الموضوع، سيضطر إلى تبني رأي طرف من الطرفين أو في حالات نادرة يخترع رأي ثالث ويتبناه على مبدأ خالف تُعرف. وهذا هو العامل الأول: تبني رأي طرف في النقاش (غالباً يعارض طرف طارح الفكرة) فقط من أجل دخول جو النقاش. وحتى لو لم يقحم نفسه إلى النقاش بدون علم كافي، قد يسأله المتناقشون عن رأيه في القضية، فما أن يُسأل عن رأيه أصبح الوضع لزاماً عليه أن يختار رأياً ويتبناه لأنه لو لم يفعل ذلك أصبح بلا شخصية وأحياناً بلا هوية.


العامل الثاني:


الإنسان مفطور على نقض ما يسمعه من فكرة تطرح كقانون أو نظرية، وهذا ليس عداءاً للآخرين بل هو لترسيخ مفهوم النظرية. ففي أيام دراستي بالمدرسة وبالتحديد في حصة الرياضيات أو الفيزياء، كنت إذا تلقيت قانوناً جديداً حاولت جاهداً لإيجاد مثال يتعارض مع هذا القانون، وبالطبع بعد عشرات المحاولات الفاشلة أصبح مقتنعاً بهذا القانون فيرسخ في الذهن. وهذا بالضبط ما يحدث حينما نسمع رأي سياسي أو اجتماعي أو حتى ديني، نستحضر جميع الأدلة التي تعارض هذا الرأي ولو بأصغر الأوجه وهنا يسهل ذلك بعكس الرياضيات والفيزياء، وأكرر أن هذه الخطوة ليست بداعي العداء الفكري للخصم وإنما هو أمر فطري يحدث وقد لا نشعر به أحياناً.


السيناريو التالي يتكرر كثيراً في نقاشاتنا:


نتلقى رأياً في موضوع معين - نوجد أدلة وتساؤلات مشككة تعارض هذا الرأي مع ضعفها أحيانا ( ليس لأننا متبنون الرأي المعاكس ولكن من أجل ترسيخ الفهم) - يكون الخصم غير قادر على الرد على هذه الأدلة والتساؤلات لعدم إحاطته بالموضوع جيداً - يبدأ الجدال غير العلمي وقد يطول ونمل منه - لا نصل إلى نتيجة - كل منا يبقى على رأيه. ولكن ماذا حدث هنا؟ الطرف المتلقي تبنى رأي طرف في موضوع لم يكن قد فكر فيه من قبل وبطريقة غير سليمة. وبعد فترة تمر فيها عوامل الترسب الفكري على هذا الرأي المتبنى، يصبح الرأي الآن قناعة. وبغض النظر عن من المصيب ومن المخطئ، ينتج عن هذا السيناريو دائماً شخصاً مخطئاً قد يكابر على خطأه بعد ترسب الفكرة وعشعشتها في رأسه ولا يتراجع عن رأيه لاحقاً حتى بعد بيان الحق بدليل قاطع.


هذه هي العوامل الخفية باختصار، وللقضاء عليها علينا بكل سهولة أن نتجنب الكلام والجدال فيما ليس لنا به علم كافي، فلا نتكلم بمجرد وجود علم طفيف إلا إذا تكلمنا في ضمن حدوده. وأيضاً علينا أن نتذكر أننا حينما نعارض رأياً جديداً، فإنما نعارضه من أجل التثبت من الخبر وليس لأننا قد تبنينا الرأي الآخر.


وفقنا الله جميعاً للعلم النافع والعمل الصالح... وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم